الحلقة التي تبدو زائدة… حتى تغيب
عبدالله النجيفي
في بناية سكنية صغيرة، يجتمع السكان مرة في السنة. رجل طيّب يتولى منذ سنوات جمع الاشتراك الشهري: صيانة المصعد، وأجرة الحارس، وإصلاح ما ينكسر. في أحد الاجتماعات يسأل ساكن جديد سؤالًا بسيطًا: هل يمكن أن نرى كشفًا بما دخل وما خرج؟ يسود صمت قصير، ثم يعلّق أحدهم بلطف: «هل تشك في الرجل؟». ينتهي النقاش عند هذا الحد. الساكن الجديد يعتذر، ولا أحد يسأل ثانية.
لم يكن أحد في تلك الغرفة يقصد سوءًا. لكن ما حدث أن السؤال صار تهمة، ومراجعة الحساب إساءة أدب. ومن تلك اللحظة لم يعد أحد يعرف، لا هو ولا غيره، إن كانت الأموال تُنفَق كما ينبغي. وحين ينكسر المصعد بعد سنتين، ولا يجد أحد المبلغ اللازم لإصلاحه، سيبحث الجميع عن مذنب، وليس هناك مذنب. هناك فقط قرار يُتخذ سنوات بلا مراجعة.
والسؤال أوسع من بناية: هل تستطيع أي مؤسسة أن تعمل بكفاءة إذا لم يكن هناك من يراجع قراراتها؟ شركة لا يناقش أحد إنفاقها، مستشفى لا يقيّم أحد نتائجه، مشروع يُنفَّذ ولا يُسأل عن كلفته بعد انتهائه. نحن نعرف الجواب من تجاربنا الصغيرة قبل أن نقرأه في كتاب.
المشكلة أن كلمة «رقابة» تصل إلينا محمّلة بمعنى لا تحمله في أصلها. نسمعها فنفهم منها شكًّا في الأشخاص أو بحثًا عن خطأ. والحقيقة أبسط: الرقابة ليست حكمًا على النوايا، بل اعتراف بأن الإنسان — أي إنسان — لا يرى نفسه من الخارج. المدير المخلص لا ينقصه ضمير، ينقصه من يقول له إن الطريق الذي يسير فيه لا يوصل. ومن دون هذه المرآة لا يكتشف خطأه إلا متأخرًا، حين يصير كلفة يدفعها غيره.
ولهذا لم تُبْنَ الدول الحديثة على حسن النوايا. حسن النية شرط أخلاقي جميل، لكنه لا يصلح أساسًا للإدارة؛ فهو غير قابل للقياس ولا يورَّث. وما تقوم عليه المؤسسات توزيع الأدوار: جهة تنفّذ، وجهة تراجع، وقواعد مكتوبة بينهما. لا لأن أحدهما يشك في الآخر، بل لأن القرار الذي يمر بعينين أفضل من القرار الذي يمر بعين واحدة.
ومن هنا يجب أن نفرّق بين أمرين يُخلط بينهما كثيرًا: أن يفشل أداء مؤسسة، وأن تفشل فكرة المؤسسة نفسها. إذا أخطأ مستشفى في علاج مريض، لا يقول أحد إن الحل إلغاء المستشفيات. وإذا ضعفت مدرسة، لا يطالب أحد بإلغاء التعليم. وإذا أساء مجلس إدارة شركة التصرف، لا يخطر ببال أحد أن الحل هو إلغاء مجالس الإدارة. في كل هذه الحالات نتجه إلى المعالجة نفسها: تحسين الاختيار، ورفع الكفاءة، وتشديد المحاسبة. لكننا حين نصل إلى الجهات الرقابية، نميل إلى حكم مختلف تمامًا: إن لم تعمل كما نريد، فلنشطبها.
ومن هذا الباب تحديدًا تُقال عبارة «حلقة زائدة» عن المجالس المحلية. والعبارة تستحق أن تُناقش بوصفها فكرة، لا بوصفها موقفًا من أحد. فالسؤال الحقيقي ليس: هل نحتاج مجلسًا؟ السؤال هو: إذا غابت الجهة التي تراجع القرار التنفيذي محليًا، فمن يراجعه؟ ومن يسأل عن وجهة المال العام في المدينة؟ ومن يناقش سياسة تمس عشرات الآلاف قبل أن تُطبَّق؟ ومن يمثّل المجتمع في متابعة الأداء بين انتخابات وأخرى؟ قد يكون الجواب: جهة أخرى أفضل، وهذا نقاش مشروع. أما أن يكون الجواب: لا أحد، فذلك ليس معالجة بل نقل للمشكلة إلى حيث لا يراها أحد.
وحين ننزل من المبدأ إلى الواقع يصير الأمر ملموسًا. حين يُطرح قرار قد يقلّص مساحات خضراء في مدينة، فإن وجود جهة تراجعه وتسأل عن مبرراته هو الفارق بين قرار يُدرَس وقرار يمر. ولو غابت تلك الجهة، فمن كان سيسأل نيابة عن أهل المدينة؟ وحين يتعلق ملف بأراضٍ ممنوعة من البناء خلفه حقوق آلاف العائلات، فإن إعادة النظر فيه لا تحدث من تلقاء نفسها؛ تحتاج من يفتحه ويسأل.
والمثال الأوضح توزيع الوظائف. حين يجري توزيع سبعة عشر ألف وظيفة، فإن ما يستحق الانتباه ليس العدد بل الإصرار على أن يمر ذلك كله عبر نظام إلكتروني معلن، تظهر فيه شروط المفاضلة ودرجاتها ونتائجها لمن أراد. قيمة ذلك أنه ينقل المسألة من مجال الوعد إلى مجال التحقق: لم يعد على الشاب الذي لم يُقبل أن يصدّق أن الإجراء كان عادلًا؛ صار يستطيع أن يرى أين وقف، ولماذا. هنا جوهر ما نتحدث عنه: الرقابة الجيدة لا تطلب من الناس أن يثقوا بالأشخاص، بل تمنحهم نظامًا يتحققون منه بأنفسهم. وهذا في العمق ما تعنيه الدولة الحديثة: أن تحلّ الإجراءات القابلة للفحص محل الثقة الشخصية. وهو أيضًا جواب السؤال الذي أُسكت به الساكن الجديد؛ لم يكن مطلوبًا منه أن يثق أو يشك، بل أن يجد كشفًا يقرؤه.
وهذه الأمثلة لا تُذكر بوصفها إنجازات تُنسب إلى أحد، بل لأنها تُظهر ما يفعله وجود جهة تراجع: قرار يُدرَس قبل نفاذه، وملف يُعاد فتحه، وإجراء يُجبَر على أن يكون مكشوفًا. ومن يقوم بهذا الدور ليس مطالبًا بأن يعبّد شارعًا؛ هذه وظيفة غيره. المطلوب منه أن يجعل من يعبّده مسؤولًا عمّا فعل.
على أن الرقابة نفسها قد تفقد معناها إن خرجت عن وظيفتها. فحين تتحول المراجعة إلى تعطيل، والسؤال إلى موقف يُسجَّل، والاختلاف إلى صراع يُدار على مرأى من الناس، تصير الجهة الرقابية جزءًا من المشكلة التي وُجدت لتقليلها. وظيفتها أن تحسّن القرار لا أن توقفه، وأن تمنع الخطأ قبل أن يصير أزمة لا أن تنتظره ليُكشف. ولهذا فالمشكلة ليست في وجود الرقابة، بل في طريقة ممارستها.
ومع ذلك، ليس عدلًا أن نتجاهل لماذا نظرة كثير من الناس سلبية. المواطن لا يقيّم المبدأ، يقيّم ما رآه: خلافات تأخذ وقتًا أطول من الملفات، وملفات تتعطل بلا سبب مفهوم، وجلسات لا يعرف عنها شيئًا، ونتائج لا تصله. وهذا نقد وجيه، لكنه نقد لطريقة ممارسة الدور، لا دليل على أن الدور نفسه فائض.
والمطلوب إذن أصعب من الإلغاء وأنفع منه: رقابة مهنية تعرف ما تسأل عنه، ومستقلة لا تصير شريكًا في القرار الذي تراجعه، وقريبة من الناس تنشر عملها بلغة مفهومة بدل أن يبقى في محاضر لا تُقرأ.
في بناية ذلك الساكن الجديد لم يكن الخلل في الرجل الطيب ولا فيمن دافع عنه، بل في أن الجميع اتفق بحسن نية على أن السؤال إساءة. وما فقدوه يوم تعطّل المصعد لم يكن مالًا فقط، بل القدرة على معرفة أين ذهب.
الحلقة التي تبدو زائدة هي في الغالب الحلقة التي لا يُلاحَظ أثرها إلا يوم تغيب؛ فالرقابة حين تعمل كما ينبغي تكون صامتة، وأثرها كله في الأخطاء التي لم تقع. وهي لا تضيف عبئًا على القرار، بل تمنع الخطأ الصغير من أن يكبر حتى يصير مشكلة يدفع ثمنها الجميع. ولذلك لا تُقاس المؤسسة الرقابية بعدد ما تصدره من قرارات، بل بعدد ما منعته من أخطاء، وما حمته من حقوق، وما بنته من ثقة بين المواطن ودولته.
وليس السؤال، إذن: هل نحتاج إلى من يراجع؟ بل: كيف نجعل من يراجع أكثر كفاءة، وأكثر استقلالًا، وأقرب إلى الناس.



إرسال التعليق