×

الرأي ليس أنت… لماذا صار الاختلاف خصومة؟

الرأي ليس أنت… لماذا صار الاختلاف خصومة؟

عبدالله النجيفي

صديقان منذ عشرين سنة، يجلسان كعادتهما في المساء. يبدأ الحديث عاديًا: قرار اتخذه أحدهما في عمله، ورأي أبداه الآخر بأن الأمر كان يحتمل تأجيلًا. لا شيء في الموضوع يستحق أكثر من عشر دقائق. لكن الصوت يرتفع قليلًا، ثم تدخل جملة صغيرة على الطريق: «واضح أنك لا تفهم في هذه الأمور». يصمت الأول لحظة، ثم يردّ بجملة مشابهة. ينتهي اللقاء بمجاملة باردة، ولا يعود أحدهما يتصل كما كان. ولو سألتَ أيًّا منهما بعد شهر عن أصل الخلاف، لتردد قبل أن يجيب. الموضوع نُسي. لكن كلًّا منهما يتذكر بدقة كيف نظر إليه الآخر.

هذا التفصيل وحده يكشف ما جرى. لم يكن الخلاف على الفكرة، بل على المكانة. كل واحد منهما خرج بانطباع أن الآخر لم يعد يراه كما كان يراه. والفكرة صارت مجرد الساحة التي وقع فيها ما هو أهم منها.

نحن نقول عن أنفسنا إننا نختلف كثيرًا، وأن هذا سبب توترنا. لكن الاختلاف ليس المشكلة؛ فالناس اختلفوا في كل زمان. ما تغيّر أننا صرنا نخلط بين الرأي والهوية. صار ما نقوله في مسألة ما دليلًا على من نكون: على انتمائنا، وذوقنا، وأخلاقنا أحيانًا. ومتى صار الرأي عنوانًا للشخص، لم يعد نقده نقدًا لفكرة، بل مساسًا بصاحبها. عندها يصبح الدفاع عن الرأي دفاعًا عن النفس، ويتصرف الإنسان كما يتصرف من يُدفع إلى الزاوية: يرفع صوته، أو يقاطع، أو ينسحب.

ويزيد الأمر أن آراءنا لم تعد تُقال في غرفة مغلقة. صرنا نعلنها أمام جمهور، صغير أو كبير. والرأي المعلن يصير التزامًا: من قاله أمام عشرة أشخاص يصعب عليه أن يعود عنه أمامهم، لأن العودة في هذه الحالة لا تبدو مراجعة، بل هزيمة على مرأى من الناس. وهكذا يستمر كثيرون في الدفاع عن مواقف لم يعودوا مقتنعين بها تمامًا، لا حبًا فيها، بل لأن تكلفة التراجع صارت أعلى من تكلفة الاستمرار.

ولهذا صار تغيير الرأي عيبًا في نظر كثيرين. نقول عمن غيّر رأيه إنه «متقلب»، وإنه «تراجع»، وإنه «تغيّر». وكلها كلمات مأخوذة من قاموس الولاء لا من قاموس التفكير. ومع الوقت يتعلم الناس الدرس مبكرًا: اثبت على ما قلت، حتى لو تبيّن لك غير ذلك. ونحن في الواقع لا نحترم من لا يغيّر رأيه أبدًا؛ نحترم من يبدو واثقًا. والفرق بينهما كبير، لكننا نادرًا ما ننتبه إليه.

والغريب أننا في المجالات العملية نفهم هذا تمامًا، بل نجعله معيارًا للاحتراف. الطبيب الذي يعدّل تشخيصه بعد نتيجة فحص جديدة نسميه طبيبًا جيدًا لا متقلبًا؛ ولو أصرّ على تشخيصه الأول حفاظًا على كلمته لعددناه خطرًا على مرضاه. والمهندس الذي يعيد تصميمه بعد أن ظهر خلل في الحسابات يفعل ما يجب فعله بالضبط. ولا يخطر لأحد أن يطلب من طيار أن يثبت على مساره احترامًا لما أعلنه إذا تغيّر الطقس. في هذه المهن كلها المعرفة مؤقتة بطبيعتها: صحيحة إلى أن تظهر معلومة أدق، وتعديل الموقف عندها ليس تنازلًا، بل أداءً للواجب.

فلماذا نعدّ ذلك نضجًا في الطب والهندسة والطيران، ونعدّه ضعفًا في نقاش عادي بين اثنين؟ ربما لأن في المهنة مرجعًا خارجيًا يفصل بين الرأيين: نتيجة فحص، أو حساب، أو حالة جو. أما في نقاشاتنا العامة فلا مرجع في الغالب سوى من يستمع إلينا؛ ومن يحكم بالانطباع يحكم لمن بدا أثبت، لا لمن كان أدق. وهكذا يتعلم المتناقشان درسًا عمليًا: الثبات مربح، ولو على خطأ. ولهذا نطبّق في الآراء قاعدة معاكسة تمامًا: من يعدّل موقفه في ضوء معلومة جديدة يُنظر إليه بريبة، ومن يكرر ما قاله قبل عشر سنوات بحرفه يُوصف بأنه صاحب مبدأ.

ويزداد الأمر تعقيدًا حين تنقسم المسألة إلى فريقين. عندها يتغيّر هدف النقاش نفسه من غير أن ينتبه أحد: لم يعد البحث عن الجواب الصحيح، بل عن نقطة تُسجَّل للفريق. وفي هذا الوضع يصير الاعتراف بأن الطرف الآخر قال شيئًا صحيحًا أصعب من الوصول إلى الحقيقة، لأنه لا يبدو اعترافًا بفكرة، بل تخليًا عن جماعة. وهكذا يفقد النقاش وظيفته الأصلية؛ كان أداة لفحص الأفكار، فصار وسيلة لإثبات الانتماء.

ولا شيء في هذا يدل على سوء في الناس. الإنسان يميل بطبعه إلى ما يمنحه الطمأنينة، والرأي الثابت طمأنينة: يوفّر عليه إعادة النظر، ويمنحه جماعة يقف بينها، ويجيبه عن أسئلة لا يريد أن يفتحها. أما مراجعة الرأي فمكلفة؛ تحتاج وقتًا، وتحتاج قدرة على احتمال أنك أخطأت مدة طويلة. ومن هنا يصير التمسك بالرأي أرخص كثيرًا من فحصه.

ولنجرّب سؤالًا هادئًا: متى كانت آخر مرة غيّرتَ فيها رأيك بعد أن استمعت إلى شخص يخالفك؟ لا رأيًا في مطعم أو طريق، بل رأيًا كنت تعدّه من ثوابتك. السؤال ليس اتهامًا؛ من يكتب هذه السطور يعرف أن جوابه هو نفسه ليس مريحًا. لكن قيمة السؤال أنه يكشف شيئًا بسيطًا: إن لم نجد جوابًا منذ سنوات، فربما لم نعد نستمع أصلًا، بل صرنا ننتظر دورنا في الكلام.

ثم إن الاختلاف، حين يُدار جيدًا، لا يكون خسارة. المجتمعات التي نصفها بالتقدم ليست أقل اختلافًا منا؛ خلافاتها أحيانًا أعمق وأشد. الفرق أنها بنت طرقًا يمر عبرها الخلاف: قاعات تُناقش فيها المسائل، وقواعد تنظّم من يتكلم ومتى، وإجراءات تحسم ثم يُعمل بها ولو لم يرضَ الجميع. الخلاف عندها يُعالَج ولا يُلغى، فلا يبقى معلقًا في الهواء حتى يتحول إلى عداوة شخصية. وحين تغيب هذه الطرق، لا يختفي الخلاف؛ ينزل إلى المستوى الشخصي، وهو المستوى الوحيد الذي لا يُحسم فيه شيء.

وفي المقابل، ليست المشكلة أن نتفق. الاتفاق التام على كل شيء ليس علامة صحة في أي جماعة؛ هو في الغالب علامة على أن أحدهم توقف عن قول ما يفكر فيه. الجماعة التي لا يخالف فيها أحد أحدًا لا تكتشف أخطاءها إلا متأخرة، حين يدفع ثمنها الجميع.

بقي أن نلاحظ أن الفصل بين الرأي وصاحبه ليس فضيلة أخلاقية بقدر ما هو مهارة تُكتسب بالممارسة. يبدأ الأمر بأشياء صغيرة: أن نسأل «لماذا ترى ذلك؟» قبل أن نردّ، وأن نعيد صياغة كلام من يخالفنا حتى يقول إننا فهمناه، وأن نميّز في أنفسنا بين «هذه الفكرة خاطئة» و«هذا الشخص أقل مني». هذه ليست لياقة اجتماعية؛ إنها الطريقة الوحيدة لإبقاء النقاش نقاشًا.

قوة أي مجتمع لا تُقاس بعدد الآراء المتشابهة فيه، بل بقدرته على أن يختلف دون أن ينقطع الكلام. والصديقان اللذان بدأنا بهما لم يفترقا لأن أحدهما أخطأ في المسألة، بل لأن كليهما شعر أنه لم يعد محترمًا في نظر الآخر. وهذا وحده يخبرنا أين تقع المشكلة فعلًا.

قد يكون أكبر انتصار في أي حوار ليس أن تثبت أنك على حق، بل أن يخرج الطرفان وهما ما زالا قادرين على الجلوس إلى الطاولة نفسها مرة أخرى.

وربما لم تكن مشكلتنا أننا كثُر اختلافنا؛ فالاتفاق لم يكن يومًا شرطًا لبقاء جماعة. مشكلتنا أننا لم نعد نعرف كيف نختلف.

إرسال التعليق