×

الدولة التي نحتمي بها

الدولة التي نحتمي بها

عبدالله النجيفي

قبل الفجر بقليل، يصل رجل إلى محله الصغير فيجد القفل مكسورًا والباب مواربًا. يقف في مكانه دقيقة كاملة لا يدخل ولا ينصرف. ما يشعر به في تلك الدقيقة ليس الغضب على ما سُرق، بل شيء أثقل: أن أحدًا دخل إلى ما يخصه، وأنه لم يكن هناك ليمنعه.

ثم يفعل ما يفعله معظم الناس: يخرج هاتفه. لكن إلى من يتصل أولًا؟ هذه هي المسألة كلها. بعضهم يتصل بالجهة الرسمية، وبعضهم يتصل بأخيه أو ابن عمه أو رجل يعرفه في الحي. وليس في الاختيار الثاني سوء نية ولا تحدٍّ لأحد؛ إنه ردّ فعل تلقائي، من تلك الأفعال التي تسبق التفكير. لكنه، على تلقائيته، يخبرنا بأكثر مما تخبرنا به التصريحات كلها: إلى أين يذهب الإنسان حين يشعر أنه صار وحيدًا؟

نحن نتحدث عن الدولة عادة بلغة السلطة: من يحكم، ومن يقرر، ومن يملك القوة. لكن المواطن لا يعيش هذه اللغة. علاقته بالدولة، في أعماقها، علاقة نفسية بسيطة: هل أشعر بأن هناك من يقف معي إن وقع عليّ ظلم؟ الأمان حاجة أولية، أقرب إلى الجوع منها إلى الرأي السياسي. ومن لا يجد جوابًا مطمئنًا لا يناقش ولا يعترض؛ يبحث عن جواب آخر في مكان آخر.

ومن هنا ينبغي أن نعيد النظر في معنى القوة. اعتدنا أن نقيسها بمقدار ما تستطيع الدولة أن تفعله بمن يخطئ. وهذا مقياس ناقص. الدولة القوية ليست التي يخافها المواطن حين يخطئ، بل التي يلجأ إليها حين يُظلم. الأولى تنتزع طاعة، والثانية تكسب انتماءً. وبين الطاعة والانتماء مسافة تظهر في أول أزمة.

والخوف والأمان ليسا وجهين لعملة واحدة كما يُظن؛ إنهما نظامان مختلفان تمامًا في نفس الإنسان. يمكن لرجل أن يخاف المخالفة والغرامة والإجراء، وأن يشعر في الوقت نفسه بأنه غير محمي. هذا الجمع ليس تناقضًا، بل هو حال كثيرين: دولة حاضرة في وجهها الذي يطالب، غائبة في وجهها الذي ينصف. والإنسان في هذه الحال يتعامل مع الدولة كما يتعامل مع الطقس: يتوقّى شرّه، ولا يتوقع منه عونًا.

فإذا لم يجد الأمان في مكانه الطبيعي، بحث عنه في مكان آخر. وهنا ينبغي أن نقول ما لا يُقال كثيرًا: الحماية التي يمنحها شخص ليست حماية، بل قرض. تُعطى بشروط غير مكتوبة، وتُسترد حين يتغير الظرف، ويبقى صاحبها مدينًا لمن أعطاه، يُسأل يومًا ما عن الثمن. أما ما يمنحه القانون فليس عطية أصلًا؛ إنه حق، لا يشكر عليه أحدًا، ولا يُطالَب بمقابله. الفرق بين الاثنين ليس في النتيجة القريبة — فقد يستعيد الرجل حقه في الحالتين — بل في ما يبقى بعدها: في الأولى صار مرتبطًا، وفي الثانية بقي حرًا.

والمسألة في آخرها مسألة كرامة، لا مسألة نتيجة. من ينال حقه بالقانون يخرج وقد أخذ ما هو له؛ ومن يناله بفضل شخص يخرج مدينًا بالفضل، وقد صار حقه في يده منّة تُذكَر له كلما التقيا. القانون لا يُقرض الحقوق، بل يعترف بها. والدولة القوية هي التي يغادر المواطن مؤسساتها شاكرًا للقانون لا لأحد بعينه؛ بل هي، في أحسن حالاتها، التي لا تجعله مضطرًا إلى الشكر أصلًا.

ثم إن الحماية الشخصية، مهما اتسعت، لها حدود لا تتجاوزها. إنها تحمي من له سند: من يعرف أحدًا، أو ينتمي إلى مجموعة، أو يملك ما يبادل به. لكن في كل مجتمع من لا سند له: الأرملة، والغريب عن المدينة، والفقير الذي لا يعرف بابًا يطرقه. هؤلاء لا يحميهم إلا نص لا يسأل عن أسمائهم. ولهذا فإن أدق مقياس لقوة أي دولة ليس كيف تعامل الأقوياء فيها، بل ماذا يحدث لأضعف رجل فيها حين يُظلم. إن وجد طريقه إلى حقه بلا واسطة، فالدولة قائمة بمعناها الحقيقي، مهما بدت هادئة وقليلة الضجيج.

وهذا هو الفرق بين أن تُبنى الدولة في المؤسسات وأن تُبنى في النفوس. الأولى مبانٍ وأنظمة وقوانين مكتوبة، وهي ضرورية. والثانية شعور يتكوّن ببطء لدى المواطن: أن حقه لا يحتاج إلى نفوذ، ولا إلى واسطة، ولا إلى من يقف خلفه. هذا الشعور لا يُصنع بخطاب ولا بحملة؛ يتكوّن من تجارب صغيرة متكررة، ويتهدّم بتجارب صغيرة متكررة أيضًا.

ولعل الأمر الذي يستحق التأمل أن الناس لا يخافون قوة الدولة بقدر ما يخافون غيابها. القوة المنظمة، حين تكون محكومة بقانون معروف ومطبق على الجميع، مطمئنة لا مخيفة؛ فالمواطن يعرف حدودها ويعرف كيف يحتكم إليها. أما ما يقلقه فعلًا فهو الفراغ: أن يقع له شيء ولا يجد جهة واضحة يذهب إليها، أو أن يذهب فلا يجد أثرًا لذهابه. الخوف الحقيقي ليس من دولة قادرة، بل من لحظة يكتشف فيها الإنسان أنه وحده.

ولهذا فإن الهيبة التي تُبنى على الخوف تبقى سطحية مهما بدت متينة. الخوف يجعل الناس يتجنبون الدولة؛ والثقة تجعلهم يقصدونها. وفرق كبير بين مجتمع يتحاشى مؤسساته وآخر يقصدها بإرادته لأنه يعتقد أنها ستنصفه. المؤسسة التي يقصدها الناس طوعًا تعرف مشكلاتهم أولًا بأول، فتصلح ما يمكن إصلاحه مبكرًا. والمؤسسة التي يتجنبها الناس تكتشف الخلل متأخرة، حين يصير كبيرًا ومكلفًا.

ولا شيء من هذا يقلل من قيمة إنفاذ القانون؛ فالقانون الذي لا يُنفَّذ كلام. لكن الإنفاذ وحده لا يكفي لصناعة الشعور بالأمان، لأنه يخاطب الخائف من العقوبة ولا يخاطب المظلوم الباحث عن نصفة. الدولة التي تريد أن تكون ملاذًا مطالبة بأمر إضافي: أن تكون قريبة يسهل الوصول إليها، وواضحة يفهم الناس إجراءاتها، وسريعة بما يجعل اللجوء إليها معقولًا لمن يستعجل حقه.

يعود بنا هذا إلى الرجل الواقف أمام محله قبل الفجر. لن يتذكر بعد سنوات كم خسر في تلك الليلة؛ سيتذكر بمن اتصل، وماذا حدث بعد ذلك الاتصال. وفي هذه الذكرى الصغيرة تتحدد علاقته بالدولة لبقية عمره، ثم ينقلها إلى أبنائه بوصفها خلاصة تجربة.

ليست الدولة التي نخافها هي الدولة القوية. القوية هي التي نغلق باب بيتنا مطمئنين لأننا نعرف أننا إن ظُلمنا لن نبحث عن شخص يحمينا، بل عن قانون ينصفنا. فالدول لا تُقاس بقدرتها على إخافة الناس، بل بقدرتها على أن تكون الملاذ الأخير لكل من شعر بالخوف.

إرسال التعليق