لماذا تنهار الثقة بين المواطن والدولة والسياسيين؟ وكيف يمكن استعادتها؟
عبدالله النجيفي
لماذا تنهار الثقة بين المواطن والدولة والسياسيين؟ وكيف يمكن استعادتها؟
يخرج من البيت مبكرًا، والإضبارة بين يديه كما يحمل الإنسان شيئًا يخاف عليه. في الطريق يفتحها ويراجعها مرة أخرى: الهوية، وصورة شخصية، وورقة تأييد، وختم صغير في الزاوية لا يعرف تمامًا من وضعه ولا لماذا. الأوراق كاملة، ومع ذلك هو غير مطمئن؛ لأن الناقص لا يظهر عادة إلا عند الشباك.
يصل قبل بدء الدوام فيجد الطابور قد سبقه. أمامه امرأة تسأل كل من يمرّ إن كان هذا هو المكان الصحيح، وخلفه شاب ينتظر أن يُنادى اسمه. ثم تأتي الجملة التي يخافها الجميع، يقولها الموظف بلا قسوة وهو نفسه متعب: «ناقصة ورقة… راجعنا باچر». كلمتان قصيرتان تعنيان يومًا آخر من عمره، وأجرة طريق، وسؤالًا ينتظره في البيت مساءً: «خلّصت المعاملة؟».
في تلك اللحظة لا يفكر هذا الرجل بالدولة بوصفها فكرة، ولا بالحكومة بوصفها برنامجًا، ولا بالسياسي بوصفه ممثلًا انتخبه. كل هذا التقسيم الذي نتقنه في الكتب والبرامج الحوارية لا وجود له في الطابور. هناك، الأمر أبسط بكثير: جهة ما، كبيرة وبعيدة، لم تنجز له ورقة يحتاجها. وهذه الجهة اسمها عنده «هُمّه»؛ كلمة واحدة تجمع الوزير والنائب ومدير الدائرة والموظف في سلة واحدة.
وهذه هي النقطة التي كثيرًا ما تُنسى. المواطن لا يحكم على الدولة من خططها الخمسية ولا من نسب النمو، بل من آخر تجربة مرّت به مع أبسط خدمة عامة: وثيقة يستخرجها، أو مستشفى يراجعه، أو راتب تأخر. تلك التجربة الصغيرة هي كل ما يملكه من دليل، وهو يعمّمها لا لأنه ظالم في حكمه، بل لأنه لا يملك غيرها.
ولهذا لا تنهار الثقة دفعة واحدة. ليست هناك لحظة نستطيع أن نقول عندها إن الناس فقدوا ثقتهم اليوم. الثقة تتآكل ببطء، بتراكم أشياء صغيرة متكررة: معاملة تحتاج أسبوعًا فتأخذ أشهرًا، وشخص يدخل من الباب الجانبي بينما ينتظر عشرون في الصف، ورقم يُعلَن ولا أحد يشرح من أين جاء، وتصريح صباحي ينفيه تصريح مسائي. ثم يأتي الأخطر: أن يقتنع المواطن بأن صوته لا يغيّر شيئًا. عندها لا يغضب، بل ينسحب. والانسحاب أخطر من الغضب، لأن الغاضب ما زال يتوقع شيئًا.
وهو انسحاب هادئ لا يظهر في الأخبار. الرجل الذي تعب من المراجعة لا يكفّ عن المطالبة فحسب، بل يكفّ عن الكلام. لا يكتب شكوى لأنه لا يعرف من سيقرأها، ولا يشارك برأي في أمر يخص حيّه، ولا يجيب حين يُسأل إلا بابتسامة مجاملة. تصير الدولة عنده جهة يتعامل معها عند الضرورة، لا جهة يتحدث إليها. وحين ينقطع الكلام بين الطرفين، تفقد الدولة أهم ما يدلّها على مواقع الخلل: الناس أنفسهم.
أما الثقة بالسياسي فقصتها أهدأ مما يُظن. الناس لا تنزعج لأن السياسي أخطأ؛ فهم يعرفون أن الإدارة صعبة، والموارد محدودة، وبعض الملفات أكبر من شخص واحد. ما يتعبهم هو المسافة بين ما يُقال وما يحدث: وعود كثيرة تُطلق في المؤتمرات، ثم لا يجدون لها أثرًا في الشارع ولا في المستشفى. ومع التكرار تكوّنت عندهم عادة جديدة؛ صاروا يستمعون بلا انفعال وينتظرون النتيجة. لم يعد الكلام الجميل يعني شيئًا، ولا الحضور الإعلامي يشتري رضًا. صار المسؤول يُقاس بما تحقق فعلًا. وهذا تطوّر صحي، وإن كان ثمنه باهظًا.
والمشكلة في الخطأ ليست في وقوعه، بل في ما يحدث بعده. المواطن يتقبّل التأخير إذا سمع اعترافًا صريحًا وشرحًا صادقًا ومحاولة حقيقية للإصلاح. لكنه يفقد ثقته حين يُنكر الخطأ أصلًا، أو تُحوَّل المسؤولية إلى جهة أخرى، أو يُقال له إن ما رآه بعينه لم يحدث. الاعتراف لا يُضعف من يعترف؛ في نظر الناس هو أول دليل على الجدية.
ومن الإنصاف أن نقول إن التعميم ظالم أيضًا. في الدوائر نفسها موظف يبقى بعد انتهاء الدوام ليُنهي معاملة امرأة مسنّة جاءت من مدينة بعيدة، ومسؤول رفض توقيعًا يعرف أنه سيكلّفه منصبه، وآخر يعمل بصمت لأن عمله لا يصلح مادة للنشر. المشكلة أن هؤلاء يبقون استثناءً، وأن الأمر معلّق على ضمائرهم لا على نظام يحميهم؛ وحين يرتبط العمل الجيد بأخلاق فرد، فإنه يرحل يوم يرحل. لذلك ليس الحل أن نفقد الثقة بالجميع، بل أن نبني مؤسسات تجعل الأداء الجيد هو القاعدة، والتقصير هو الاستثناء الذي يُحاسَب عليه.
واستعادة الثقة لا تبدأ بقرار استثنائي ولا بحملة تُعلن في مؤتمر. تبدأ من حيث انكسرت: من التفاصيل اليومية الصغيرة التي فقدها المواطن واحدة واحدة، ويمكن أن يستعيدها بالطريقة نفسها.
أن تُنجَز معاملته في وقتها فيخرج مندهشًا. أن يقف صاحب الواسطة في الطابور مثله فيرى بعينه أن القانون واحد. أن يجد على الجدار أو في هاتفه مدة إنجاز معلنة يستطيع أن يحاسب عليها. أن يعرف من نفّذ المشروع أمام بيته وكم كلّف، دون أن يبحث عن معلومة تخصه أصلًا. أن يُقال له بصدق إن الأمر تأخر ولماذا، فالناس تتحمّل خبرًا سيئًا مشروحًا أكثر مما تتحمّل وعدًا تعرف أنه لن يتحقق. وأن يرى المقصّر يُحاسَب أيًا كان موقعه، فالمحاسبة التي تطال الصغار وحدهم تزيد الشعور بالظلم بدل أن تعالجه. أشياء لا يُلقى فيها خطاب، لكنها تُلمس في أول مراجعة.
في النهاية، المواطن أقل مثالية مما نتصور. لا ينتظر دولة بلا أخطاء، ولا مسؤولًا لا يزلّ. يريد نظامًا يعترف بخطئه ويصلحه، ومسؤولًا يفي بما وعد أو يشرح لماذا لم يستطع، ودولة يشعر معها أن القانون يحميه قبل أن يطالبه.
الثقة لا تُبنى في القاعات. تُبنى في الطابور، وعند الشباك، وفي اللحظة التي يعود فيها رجل إلى بيته حاملًا ورقته المختومة، فيقول لأهله جملة صغيرة لا يسمعها أحد سواهم: «خلّصت».
وهي لا تعني أن معاملة انتهت، بل أن أحدًا في مكان ما أدّى ما عليه في وقته. من مئات هذه اللحظات الصغيرة تُبنى ثقة شعب بدولته، لا من الخطب ولا من الوعود.



إرسال التعليق